الغزالي
70
إحياء علوم الدين
على الغني الراغب . وما ذكرناه من اختلاف درجات الفقر يعرفك بالضرورة تفاوتا بين الفقراء في درجاتهم ، وكان الفقير الحريص على درجة من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد ، إذ هذه نسبة الأربعين إلى خمسمائة ولا تظنن أن تقدير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرى على لسانه جزافا وبالاتفاق ، بل لا يستنطق صلى الله عليه وسلم إلا بحقيقة الحق فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوّة » فإنه تقدير تحقيق لا محالة . ولكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين . فأما بالتحقيق فلا . إذ يعلم أن النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره ، وهو يختص بأنواع من الخواص أحدها : أنه يعرف حقائق الأمور المتعلقة باللَّه وصفاته ، والملائكة ، والدار الآخرة ، لا كما يعلمه غيره ، بل مخالفا له بكثرة المعلومات ، وبزيادة اليقين والتحقيق والكشف والثاني : أن له في نفسه صفة بها تتم له الأفعال الخارقة للعادات ، كما أن لنا صفة بها تتم الحركات المقرونة بإرادتنا وباختيارنا وهي القدرة ، وإن كانت القدرة والمقدور جميعا من فعل الله تعالى والثالث : أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم ، كما أن للبصير صفة بها يفارق الأعمى حتى يدرك بها المبصرات . والرابع : أن له صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب ، إما في اليقظة أو في المنام ، إذ بها يطالع اللوح المحفوظ ، فيرى ما فيه من الغيب فهذه كمالات وصفات يعلم ثبوتها للأنبياء ، ويعلم انقسام كل واحد منها إلى أقسام ، وربما يمكننا أن نقسمها إلى أربعين ، وإلى خمسين ، وإلى ستين ، ويمكننا أيضا أن نتكلف تقسيمها إلى ستة وأربعين ، بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءا واحدا من جملتها . ولكن تعيين طريق واحد من طرق التقسيمات الممكنة لا يمكن إلا بظن وتخمين ، فلا ندري تحقيقا أنه الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا ، وإنما المعلوم مجامع الصفات التي بها تتم النبوة وأصل انقسامها ، وكذلك لا يرشدنا إلى معرفة علة التقدير